أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
129
نثر الدر في المحاضرات
فأردت منه جوابا غير ذلك ، فقال : غدا نرفع المصاحف ، ونحاكمك إليها ، فخرجت ، فقال عبد اللّه : قل بيننا وبينك دم خليفة ، ووصية خليفة ، واجتماع اثنين وانفراد واحد ، وأم مبرورة فعلمت أنه ليس مع هذا الكلام لين . قال الزّبير بن بكار : فقدمت العراق فرأيت عمّي مصعبا ترك هذا الحديث ، فقلت له : لم تركته ؟ قال : إني رأيت الزبير في المنام يتعذّر من أمر الجمل ؛ « فقلت له : كيف تتعذّر من أمر الجمل » وأنت القائل : [ الرجز ] علقتهم ، إنّي خلقت عصبة * قتادة تعلّقت بنشبه فلن أدعهم حتى ألّف بينهم ؟ فقال : لم أقله . حدّث وهب مولى آل الزبير أنه قال : كنت مع عبد اللّه بن الزّبير بمكة في ولايته ؛ فكتب إليه رجل كتابا يعظه فيه : أما بعد ؛ فإنّ للتقوى في أهلها علامات يعرفون بها ، ويعرفونها من أنفسهم ؛ من صبر على البلاء ورضي بالقضاء ، وشكر للنعمة ، وذلّ لحكم القرآن ، وإنما الإمام كالسوق ، يحمل إليها ما زكا فيها ، فمن كان من أهل الحقّ أتاه أهل الحق بحقّهم ، ومن كان من أهل الباطل أتاه أهل الباطل بباطلهم ؛ فانظر أيّ الإمامين أنت . والسلام . قال : فكان عبد اللّه يعجب من بلاغة هذه الرسالة وإيجازها ، ويضعها تحت فراشه ، ويتعاهد قراءتها . كان لعبد اللّه بن عروة مولاة يقال لها : شهدة ، ففزعت ليلا ؛ فسمعها تقول : اللهمّ إن أحسنت فأحسن إليّ ، وإن أسأت فأسيء إليّ . فقال : أي شهاد ، عتق ما يملك إن لم يكن هذا أقلّ مالك عند ربّك . قال عبد اللّه بن عروة بن الزبير : إلى اللّه أشكو عيبي ما لا أدع ، ونعتي ما لا آتي ، وإنما يبكى للدنيا بالدين . نازع عبد اللّه بن الزّبير أخاه عمرا ، والأمير بالمدينة سعيد بن العاص ، فاستعلى عبد اللّه في القول ؛ فأقبل سعيد على عمرو ، فقال : أيّها يا ابن أبي ؛ فأقبل عليه عبد اللّه ؛ فقال : هيها يا ابن أبي أحيحة ، فو اللّه لأنا خير منك ،